الفيض الكاشاني
156
أنوار الحكمة
كرايات بيض قد نفذت في مجاري « 1 » الهواء ، وتحتها ريح هفّافة « 2 » ، تحبسها على حيث انتهت من الحدود المتناهية ، قد استفرغتهم أشغال عبادته ، ووسلت « 3 » حقائق الإيمان بينهم وبين معرفته ، وقطعهم الإيقان به إلى الوله إليه ، ولم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره . قد ذاقوا حلاوة معرفته ، وشربوا بالكأس الرويّة من محبّته ، وتمكّنت من سويداء قلوبهم وشيجة خيفته « 4 » ، فحنوا بطول الطاعة اعتدال ظهورهم ، ولم ينفد طول الرغبة إليه مادّة تضرّعهم ، ولا أطلق عنهم عظيم الزلفة ربق « 5 » خشوعهم ، ولم يتولّهم الإعجاب فيستكثروا ما سلف منهم ، ولا تركت لهم استكانة الإجلال نصيبا في تعظيم حسناتهم ، ولم تجر الفترات « 6 » فيهم على طول دءوبهم ، ولم تغض رغباتهم فتخالفوا « 7 » عن رجاء ربّهم ، ولم تجفّ لطول المناجاة أسلات ألسنتهم « 8 » ولا ملكتهم الأشغال فتنقطع بهمس الحنين « 9 » إليه أصواتهم ، ولم تختلف في مقاوم الطاعة مناكبهم ، ولم يثنوا إلى راحة التقصير في أمره رقابهم ، ولا تعدوا على عزيمة « 10 » جدّهم بلادة الغفلات ، ولا تنتضل « 11 » في هممهم خدائع الشهوات ، قد اتخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم ، ويمّموه « 12 » عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم ؛ لا يقطعون أمد غاية عبادته ، ولا يرجع بهم الاستهتار « 13 » بلزوم طاعته ، إلّا إلى موادّ من قلوبهم غير منقطعة من رجائه ومخافته .
--> ( 1 ) مل ن ، ر ن : مخارق . ( 2 ) هامش ر : « الريح الهفافة : الساكنة الطيبة - بخطه » . ( 3 ) ر ن ، مل ن : وصلت . « وسلت أي وصلت » . وفي النهج بدلا منها : وصلت . ( 4 ) سويداء القلب : حبّته . في هامش ر : « الوشيجة : عرق الشجرة » استعير هنا لبواعث الخوف . ( 5 ) هامش ر : « الربق - جمع ربقة - : وهي الحلقة من الحبل - بخطه » . ( 6 ) مل : العثرات . ( 7 ) هامش ر : « أي تعدلوا . الدؤب الجد في العمل - بخطه » . ( 8 ) هامش النسختين : الأسلة : طرف اللسان طرفه ( مل : بخطه ) . ( 9 ) هامش النسختين : « خ ل : الخبر » . ( 10 ) مل : عظيمة . ( 11 ) هامش ر : « الانتضال : الرمي بالسهام - بخطه » . ( 12 ) يمموه : قصدوه . ( 13 ) هامش ر : « استهتر بالأمر : أعجبه وتظاهر به - بخطه » .